الشيخ محمد رشيد رضا

58

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

بالملايين وألوف الملايين من سني سرعة النور ، ولكل طائفة منها نظام كامل محكم ولا يبطل نظام بعضها نظام الاخر ، لان للمجموع نظاما عاما واحدا يدل على أنه صادر عن إله واحد لا شريك له في خلقه وتقديره ، وحكمته وتدبيره ، وأقرب تلك الطوائف الينا ما يسمونه النظام الشمسي نسبة إلى شمسنا هذه التي تفيض أنوارها على ارضنا فتكون سببأ للحياة النباتية والحيوانية فيها . والكواكب التابعة لهذه الشمس مختلفة في المقادير والابعاد وقد استقر كل منها في مداره وحفظت النسبة بينه وبين الاخر بسنة إلهية منتظمة حكيمة يعبرون عنها بالجاذبية العامة . ولولا هذا النظام لا نفلتت هذه الكواكب السابحة في أفلاكها فصدم بعضها بعضا وهلكت العوالم بذلك ، فهذا النظام آية على الرحمة الإلهية ، كما أنه آية على الوحدانية هذه هي السماوات نشير إلى آياتها عن بعد ( وَفِي الْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ ) في جرمها ومادتها وشكلها وعوالمها المختلفة من جماد ونبات وحيوان ، فلكل منها نظام عجيب وسنن إلهية مطردة في تكوينها ، وتوالد ما يتوالد من أحيائها ، وغير ذلك حتى لو دققت النظر في أنواع الجمادات من الصخور المختلفة الأنواع ، والجواهر المتعددة الخواص والألوان ، لشاهدت من النظام فيها ومن أنواع المنافع في اختلافها وتنوعها ما تعلم به علم اليقين ، انها ترجع في ذلك إلى إبداع إله حكيم ، رؤوف رحيم ، لا شريك له في الخلق والتدبير . وأقول هنا ان الأستاذ الامام ( كان ) يرى أن في الجماد حياة خاصة به دون الحياة النباتية . ولا أدري أقاله في تفسير هذه الآية أم لا ولكنني سمعته منه غير مرة ، فهذان جنسان من آياته تعالى يشملان أنواعا وأفرادا منها يتعذر احصاؤها الجنس الثالث قوله وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ * وهو أن يجيء أحدهما فيذهب الآخر ، ويطول هذا فيقصر ذاك ، وكل ذلك بحسبان ، مطرد في جميع الأقطار والبلدان ومثله اختلاف الفصول ، باختلاف مواقع العرض والطول ، وقد ذكر هذه الآية بعد خلق السماوات والأرض لأن هذا الاختلاف هو أثر مقابلة الأرض للشمس وحركتها بإزائها ، وتفصيل ذلك مشروح في محله من العلم الخاص بهذه المسائل . وفي المشاهد من اختلاف الليل والنهار والفصول وما للناس في ذلك من المنافع المصالح آيات بينات على وحدة مبدع هذا النظام المطرد ورحمته بعباده يسهل على